سيد قطب
2617
في ظلال القرآن
انتهى القصص وكله يعرض قصة الرسل والرسالات . وقصة التكذيب والإعراض . وقصة التحدي والعقاب . وقد بدأ هذا القصص بعد مقدمة السورة . والحديث فيها خاص برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ومشركي قريش : « لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين . إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين . وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين . فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون » . . ثم سيق القصص ، وكله نماذج للقوم يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون ! فلما انتهى القصص عاد السياق إلى موضوع السورة الذي تضمنته المقدمة ؛ فجاء هذا التعقيب الأخير ، يتحدث عن القرآن ، فيؤكد أنه تنزيل رب العالمين - ومنه هذا القصص الذي مضت به القرون ، فإذا القرآن ينزل به من رب العالمين - ويشير إلى أن علماء بني إسرائيل يعرفون خبر هذا الرسول وما معه من القرآن ، لأنه مذكور في كتب الأولين . إنما المشركون يعاندون الدلائل الظاهرة ؛ ويزعمون أنه سحر أو شعر ، ولو أن أعجميا لا يتكلم العربية نزل عليه هذا القرآن فتلاه عليهم بلغتهم ما كانوا به مؤمنين . لأن العناد هو الذي يقعد بهم عن الإيمان لا ضعف الدليل ! وما تنزلت الشياطين بهذا القرآن على محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - كما تتنزل بالأخبار على الكهان . وما هو كذلك بشعر ، فإن له منهجا ثابتا والشعراء يهيمون في كل واد وفق الانفعالات والأهواء . إنما هو القرآن المنزل من عند اللّه تذكيرا للمشركين ، قبل أن يأخذهم اللّه بالعذاب ، وقبل أن يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ » . . « وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ » . . والروح الأمين جبريل - عليه السّلام - نزل بهذا القرآن من عند اللّه على قلب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو أمين على ما نزل به ، حفيظ عليه ، نزل به على قلبه فتلقاه تلقيا مباشرا ، ووعاه وعيا مباشرا . نزل به على قلبه ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين . هو لسان قومه الذي يدعوهم به ، ويتلو عليهم القرآن . وهم يعرفون مدى ما يملك البشر أن يقولوا ؛ ويدركون أن هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر ، وإن كان بلغتهم ؛ وأنه بنظمه ، وبمعانيه ، وبمنهجه ، وبتناسقه . يشي بأنه آت من مصدر غير بشري بيقين . وينتقل من هذا الدليل الذاتي إلى دليل آخر خارجي : « وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ . أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ » . . فقد وردت صفة الرسول الذي ينزل عليه القرآن ، كما وردت أصول العقيدة التي جاء بها في كتب الأولين . ومن ثم كان علماء بني إسرائيل يتوقعون هذه الرسالة ، وينتظرون هذا الرسول ، ويحسون أن زمانه قد أظلهم ؛ ويحدث بعضهم بعضا بهذا كما ورد على لسان سلمان الفارسي ، ولسان عبد اللّه بن سلام - رضي اللّه عنهما - والأخبار في هذا ثابتة كذلك بيقين .